سيد قطب

3531

في ظلال القرآن

لتوجيه وتكليفه . يتجه إليهم ليدعوهم إلى التقوى . والنظر فيما أعدوه للآخرة ، واليقظة الدائمة ، والحذر من نسيان اللّه كالذين نسوه من قبل ، ممن رأوا مصير فريق منهم ، وممن كتب عليهم أنهم من أصحاب النار : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ، وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ ، أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ . لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ . أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ » . . والتقوى حالة في القلب يشير إليها اللفظ بظلاله ، ولكن العبارة لا تبلغ تصوير حقيقتها . حالة تجعل القلب يقظا حساسا شاعرا باللّه في كل حالة . خائفا متحرجا مستحييا أن يطلع عليه اللّه في حالة يكرهها . وعين اللّه على كل قلب في كل لحظة . فمتى يأمن أن لا يراه ؟ ! « وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ » . . وهو تعبير كذلك ذو ظلال وإيحاءات أوسع من ألفاظه . . ومجرد خطوره على القلب يفتح أمامه صفحة أعماله بل صفحة حياته ، ويمد ببصره في سطورها كلها يتأملها وينظر رصيد حسابه بمفرداته وتفصيلاته . لينظر ما ذا قدم لغده في هذه الصفحة . . وهذا التأمل كفيل بأن يوقظه إلى مواضع ضعف ومواضع نقص ومواضع تقصير ، مهما يكن قد أسلف من خير وبذل من جهد . فكيف إذا كان رصيده من الخير قليلا ، ونصيبه من البر ضئيلا ؟ إنها لمسة لا ينام بعدها القلب أبدا ، ولا يكف عن النظر والتقليب ! ولا تنتهي الآية التي تثير كل هذه المشاعر حتى تلح على القلوب المؤمنة بمزيد من الإيقاع : « وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ » . . فتزيد هذه القلوب حساسية ورهبة واستحياء . . واللّه خبير بما يعملون . . وبمناسبة ما تدعوهم إليه هذه الآية من يقظة وتذكر يحذرهم في الآية التالية من أن يكونوا « كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ » . . وهي حالة عجيبة . ولكنها حقيقة . . فالذي ينسى اللّه يهيم في هذه الحياة بلا رابطة اللّه فأنساهم أنفسهم » . . وهي حالة عجيبة . ولكنها حقيقة . . فالذي ينسى اللّه يهيم في هذه الحياة بلا رابطة تشده إلى أفق أعلى ، وبلا هدف لهذه الحياة يرفعه عن السائمة التي ترعى . وفي هذا نسيان لإنسانيته . وهذه الحقيقة تضاف إليها أو تنشأ عنها حقيقة أخرى ، وهي نسيان هذا المخلوق لنفسه فلا يدخر لها زادا للحياة الطويلة الباقية ، ولا ينظر فيما قدم لها في الغداة من رصيد . « أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ » . . المنحرفون الخارجون . وفي الآية التالية يقرر أن هؤلاء هم أصحاب النار ، ويشير للمؤمنين ليسلكوا طريقا غير طريقهم وهم أصحاب الجنة . وطريق أصحاب الجنة غير طريق أصحاب النار : « لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ . أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ » . . لا يستويان طبيعة وحالا ، ولا طريقا ولا سلوكا ، ولا وجهة ولا مصيرا . فهما على مفرق طريقين لا يلتقيان أبدا في طريق . ولا يلتقيان أبدا في سمة . ولا يلتقيان أبدا في خطة . ولا يلتقيان أبدا في سياسة . ولا يلتقيان أبدا في صف واحد في دنيا ولا آخرة . . « أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ » . . يثبت مصيرهم ويدع مصير أصحاب النار مسكوتا عنه . معروفا . وكأنه ضائع لا يعنى به التعبير !